عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

97

معارج التفكر ودقائق التدبر

انطوى في نفسه ، هل هو من الصّابرين الرّاضين بما قسم اللّه لهم ، الّذين لا يحسدون النّاس على ما آتاهم ربّهم ، ولا يستخدمون وسائل فيها معصية اللّه أو الكفر به ، لإنماء ثرواتهم بغير حقّ ، ولا يتذمّرون من واقع حالهم ، معترضين على مقادير ربّهم ، بل يقومون بما يجب عليهم كما أمر اللّه عزّ وجلّ . أم هو من الضّجرين السّاخطين على ما قدّر اللّه لهم ، الّذين ينظرون إلى نعم اللّه على غيرهم نظرات حسد وغيظ ، ويحاولون الحصول على ما عند غيرهم بالظّلم والعدوان ، ومعصية اللّه ، ويكونون دواما متذمّرين ، شاكين ، طاعنين في حكمة اللّه عزّ وجلّ ، بعطائه ومنعه ، وبسطه وتقديره . وقول اللّه عزّ وجلّ : . . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 36 ) بأسلوب الاستدراك ، يدلّ على أنّ أكثر النّاس تغرّهم وفرة ما أنعم اللّه به عليهم ، فيتصوّرون أنّهم قد توصّلوا إلى ما هم فيه من نعم قد كان ثمرة علم عندهم ، وعمل رشيد سديد مارسوه في حيواتهم ، ناسين تيسير اللّه وفضله عليهم ، أو جاحدين له ، ومهما أبان لهم أهل الإيمان والعقل والرّشد أنّ اللّه يمتحنهم فيما آتاهم ، وأنّه قد وسّع عليهم ليبلوهم ، فإنّهم لا يريدون أن يعلموا هذه الحقيقة ، فلا يفتحون مغاليق نفوسهم لاستقبالها ، وإدراكها والتّأمّل فيها ، لأنّ علمهم بها يشعرهم بواجبات كثيرات ، عليهم أن يؤدّوها طاعة لربّهم ، وأداؤهم هذه الواجبات يخالف أهواءهم ، ويصطدم بشحّ نفوسهم ، فهم لا يفتحون مغاليق نفوسهم لإدراكها ، ويحرصون على أن لا يعلموها علما يعكّر صفو نفوسهم . هذا ما أفهمه من قول اللّه تعالى : . . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 36 ) . ( 2 ) والتفت البيان فخاطب اللّه عزّ وجلّ هؤلاء الكافرين المترفين المتفاخرين بوفرة أموالهم ، وكثرة أولادهم ، فقال تبارك وتعالى لهم :